وفي هذا الحين نشهد مسلسل “فادية” مسلسل درامي متكون من أربع حلقات يُتابع حياة فادية (يارا جرار) البنت الوحيدة بين ثلاثة إخوة ذكورين بكل معنى الكلمة، تتراوح ذكوريتهم بين المُتسلط والمسيطر ومن يبدو للوهلة الأولى كالأخ الحنون وربما يكون، طالما سارت الأمور كمان يريد. ويُسلّط المسلسل الضوء على ذكورية النساء وبالأخص الأمهات اللواتي ذوتن دورهن في اتقان، فهي داعمة ومُشجعة لابنها الذّكر وقامعة لابنتها خوفًا عليها بالطبع 😉 مكترثة لنظرة المجتمع الناقدة والحاقدة ولا تبلي اهتمام لابنتها وكأنها مجرد مِلك يتبادلونه.
يجسد المسلسل المعاناة الدائمة والدائرة المخيفة التي تتواجد فيها نساء وصبايا المجتمع العربي الفلسطيني في اسرائيل، ففي حين أصبح المجتمع مُحافظًا يُرّكز قبضته على نسائه وبناته بمساعدة أمهاتهن وقريباتهن، فكل من تذوقت من هذة القبضة تصبح جزءًا منها لا بل ربما تكون هي من تُحرّكها الآن.
وهذة هي ذروة المسلسل، في حين يُخال إلينا أنه يتمركز على قضية شرف العائلة وبين الحين والآخر يستحضر جميع مركبات المجتمع، بين الاجرام المنظم، الذكورية، النسوية، الزواج بين طوائف وديانات مختلفة، الزواج التقليدي.
مشاهد سينيمائية عديدة تخدم حبكة المسلسل وتُحرّك عجلته بهدوء وأحيانا تلعب الدور الرئيسي لايصال الرسالة للمشاهد، كما يستخدم الشباك النافدة الكبيرة في بيت طارق المُطِلّ على بيت جيرانه ليكشف كل ما يدور هناك ولا يعكس ما يدور في بيته، التلاعب بالإضاءة لتعبير عن المشاعر او استخدامها لنقلنا الى عالم الشخصيات، وفي مشهد اخر نرى كيف تتسجد علاقات الجيرة من خلال” تراكتور” شريف وعائلته الراكن في وجهة بيت طارق (شادي سرور) ويُشكّل عائق دائم في شوارع القرية العربية التي لا تملك بُنية تحتية مناسبة وعلاقات الجيرة تقتصر على العربدة المخفية، ومع تفاقم الأحداث لتتحول لواضحة.
أحداث المسلسل تتفاقم بسرعة مخيفة، من دون منطق أو توجيه صحيح، كمان أنها سقطت علينا عالمة أننا نعي ونعرف الوضع الراهن فلا يرفّ جفننا ولا تنقض عيوننا خوفًا، واقتصر ذلك على رنين الهواتف عند وصول رسائل “الواتساب” متجاهلة التحديثات الجديدة عبر منصات التواصل الاجتماعي والتي لا تخشى فتح لايفات (بث مباشر) لمشاركة الفضيحة الراهنة، فعلى ما يبدو أنّ المسلسل هو رهينة في ماضيه وتمسكه في عُقدة شرف العيلة، رغم محاولته اظهار نفسه كمثقف والمتطور إلّا أنّ الحوارات والنقاشات الدائرة تُدل على أننا ما زلنا في نفس المكان ونفس النقطة لم يتطور حوارنا الى شكليًا، فحتى فالعائلة المتنوّرة والتي لا تخشى الحديث عن الدورة الشهرية وبالمناسبة لم ألتمس إحساس أيّ من الشخصيات مع القضية، تشبه العائلات الثانية وربما كان ذلك رغبة من المخرج لإيصال رسالة أخرى ولكن يصعب التواصل مع كم الرسائل التي يرّكز عليها المسلسل، فلم تُبنى الحبكة بطريقة تجعلنا نحن المشاهدين نتواصل مع الضحية، بل تعتمد باعتماد كامل على تعاطفنا معها سيكون لكونها امرأة ضعيفة محاطة بذئاب وبِطغاة لم يكترث المخرج والكاتب ربما لضيق الوقت ولتطوير الشخصيات وبلورتها واكتفِ بعرض القليل والاعتماد على خلفيات مجتمعية واضحة لنا، حتى تخبطات الأخ التوام لفادية فادي نابعة من كونه توامتا من دون التطرّق للعلاقة بينهم.
بينما كان من السهل ايضاح العلاقة السامة الراهنة بين الضحية وعائلتها، ضعف ابيها وسيطرة امها.
مشهد اضافي استطاع أن يجعلني أتعجّب هو عند تعبير فادية اشتياقها لأبيها وأمها تلك التي كانت شريكة في المؤامرة ضدّها وكأنها في ظل ازمتها تستطيع أن تفكر في عقلانية وعلى ما يبدو تمتلك القدرة للغفران سريعًا، فلِما تغفر لأمها بهذة السرعة ولا تغفر لاخوتها؟ فقط لانها امرأة؟
الموسيقى المُلازمة للمسلسل لا تُضيف الكثير، تبدو في مشاهد معينة دخيلة ولا تدعم المشهد بتاتًا، فهي نفسها من البداية حتى النهاية بالإضافة الى تدخّل الطبيعة بين برق ورعد وكأن العالم والطبيعة يتحركون عند حدوث ازمة
وبالنسبة لأداء الممثلين، الأغلب يعانون من التمثيل المُفرط، لا نلمس مشاعرهم كثيرًا، والبطلة الرئيسية يارا جرار تحتوي على تعبير واحد واضح، حزنها الواضح. بينما تستطيع أن تعبّر بأريحية عندما لا نرى صورتها ونسمع صوتها فقط، نلمس قوتها أو بالمشاهد التي تتحدث للكاميرا وكأنّها تُصوّر فيديو لمنصات التواصل، فهذا التباعد بالأداء يشكل مشكلة عند تواصلنا مع الشخصية، فهي لا تُتقن الأداء كشخصية تائهة وأحيانا تتقن الأداء كشخصية مندفعة ومن ثم نسمع صوتها خافت وضعيف ولا نستطيع أن نحدد كيف تطور وتتراجع في نفس الوقت. اختيار اضافي لا يمكن فهمه هو اختيار المخرج الاشتراك بالمسلسل فلم يجد أي شخص جدير للقيام بهذه الشخصية غيره، نلمس منه البعد والجفاف حتى في اللحظات التي يجب أن نلمس مشاعره نراه باردا كالبرد الروسي
تقيمي للمسلسل 5/10 الفكرة رائعة ولكن هنالك اخفاق بالأداء.
