عندما استوعبت المسافة شعرت بالرهبة، وتسارعت دقات قلبي. ساقوم باضافة بعض النقاط الجوهرية لتوضيخ الموضوع والتي بامكانها الاضاءة بشأن الرهبة، فنحن نتحدث عن 103 مايل سباحة، قطعتها السيدة ديانا نايد من كوبا الى فلوريدا، سباحة بين قناديل البحر، سمك القرش متحدية للمناخ والطقس المتغير وكانت بعمر ال 64 سنة! ومن غير قفص القروش الامر الذي سيجعلها الاولى في هذا المجال.
والان لنستوعب مرة اخرى 103 مايل في عرض المحيط تهاجمها كل البحار من كل الاتجاهات مع وحوش البحر، ولكنها استطاعت ان تتغلب عليها جميعها على مدار خمس محاولات. يعني انها في كل مرة حاربت وحوش البحر وبالاضافة الى ذلك صنعت انجازها وهي ترتدي ملابس السباحة “.
قبل ان اوفي قصة ديانا في الفيلم الاسبوع، والذي ستجدونه على منصة نتفليكس، سأطرق للحظات يعيشها البعض الرياضين وبالاخص من يمارس الرياضات الفردية، والتي في كثير من الاوقات تستحضر كل ما واجهناه في حياتنا، وكأنها تعرض ماضينا وتتحدنا من جديد في الجانب النفسي، بنظري هو من اصعب المراحل التي تواجهنا في هذه التحديات.
على سبيل المثال هنالك حرب باردة بيننا وبين ذهنا، وبينما يحاول الاخير باقناعنا على التنازل في شتى المحاولات بداية بمخاطبة الألم والاوجاع الجسدية، وهنا الصراع يتمحور حول مدى جاهزيتنا وقدرتنا على تميز بين اصابة وبين امر يحتمل وفي المرحلة القادمة سنعاني نجد ذهننا يسترجع الماضي في مراحل مختلفة، فكلما تقدمنا في المنافسة والتحدي كلما غوصنا ووصلنا طبقة مختلفة وهلم جرا في كل مرحلة نتعمق اكثر ونواجه انفسنا.
ويتطرق الفيلم لكل هذه الامور وبمزجها بشخصية ديانا ورغبتها وايمانها بانها تستحق ان تكون الاولى التي تقطع المسافة، من دون قفص الحامي او الواقي من سمك القرش متحدية كل شي. ويكمن سر الفيلم بايمان ديانا وباداء الممثلة آنيت بنينغ (Coastal Disturbances، Being Julia) والتي جسدت بصورة رائعة دور الملهمة والسباحة. وهنا علينا ان نقف وننوه للعمل طاقم المكياج والذي استطاع ببراعة ان ينقل لنا معناة ديانا في قطع تلك المسافة سباحة، ولهذا علينا ان نتوجه الى خيالنا لنستطيع ان نرى ذلك، وهي نقطة مهمة غفلت عن ذكرها في البداية او عن تسليط الضوء عليها وهي كيف يتجاوب الجسد بعد تواجده لساعات في المياه المالحة. فنحن نتحدث عن 53 ساعة في الماء!
في الجانب الرياضي والتنافسي فهنالك قوانين معينة يخضع لها السباح عند ارادته قطع مسافات طويلة ليتم المصادقة عليها من قبل المسؤولين، بالاضافة الى موسوعة جينيس، منها:
- الامتناع من اللمس بكل صوره – يعني بالعربي بنفعش حد يلمس السباح باي شكل كان
- الامتناع من لمس القوارب او سفن الكايك
- السباحة دون توقف – لا يسمح لسباح بركوب القارب لنوم او الاستراحة
ومن الممكن ان تكون شروط اخرى تطرح لتحقيق النتيجة، وهنالك مشاهد استطاع بواسطتهم صانعي الفيلم التعبير عن كل التقيدات والاشارة اليها بكل عفوية، عندما قفزت ديبي صديقة ديانا ومدربتها ومن شاركتها سيرورتها الى البحر لتحفيز ديانا في الاميال الاخيرة وحثتها ان لا تتنازل وارشادتها دون لمسها على الاستمرار. اللقطة الثانية التي استخدمها صناع الفيلم لايصال صدى الاانجاز وهي الاقوى انتاجا وهي في الخطوات الاخيرة المتبقية، وكان على ديانا اجتيازها، مع العلم والتركيز بالجانب الاهم في تلك اللحظة وهو منع الجمهور الغفير من لمسها وهي تخطو الخطوات الاخيرة محاطة بالجمهور والذي التف حولها ليقدر انجازها ويشاركها لحظات الفرحة، وهنا قام المخرج بدمج المشاهد الحقيقية ضمن الفيلم، ولم تكن المرة الاولى التي يقوم باستخدام هذه الاستراتيجية، فعلى مدار الساعتين نرى ذلك، وكأنها وثيقة واثبات على اهمية الانجاز وعلى المصداقية.
المصداقية هي احد اهم المفاهيم التي يطمح لها من يتواجد في مكانة الاخراج بالاخص بهذه النوعية من الافلام المستواحة من قصص حقيقية وتسرد قصص شخصيات ملهمة، مثيرة للجدل شحصية احدثت تغير في مجالها او في العالم، ولهذا يلجأ الى بعض الاستراتيجيات المناسبة وملائمة بحسب مفاهيم معينة.
والان هل يستحق الفيلم المشاهدة؟ فهو يمتد لساعتين بين الماضي والحاضر، بين التصوير المهني والتصوير التوثقي للاحداث، بين ذكريات وواقع.
ومع احترامي للعاملين على الفيلم من الممكن ان نتخطى بعض المشاهد واللقطات والوصول مباشرة الى المشاهد الاكثر اثارة واهمية.
نجد في تصريحات الجمعية العالمية للسباحة في المياه المفتوحة مدى صعوبة انجاز ديانا نايد، فلم تعترف الجمعية بهذا الانجاز في تقريراتها، وكانت موسوعة جينيس هي من اشادة واعترفت بهذا الانجاز
وماذا عن تقديري للفيلم؟
10/7 ، لا يوجد اي مبرر واضح لاطالة المشاهد، حتى لو قامت السباحة بخمس محاولات حتى استطاعت تحقيق نجاحها، صحيح انها ضحت بسنوات من عمرها وحدث ذلك بفضل اصرارها وايمانها وهو الالهام بذاته.
